عبد الرحمن بدوي
126
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أحمد : يقول : إذا عرف الجسم وكيفيته وبدؤه الأصلي فإنه بعين العامل على مراده ، لأنه يكون بمعرفته أحرى على تدبيره وأعرف بالاحتيال فيه . قال أفلاطون : الأجسام الصلبة صورة جاسية ، واللطيفة ضعيفة إلا أنها غزيرة . قال أحمد : يخبرك الفيلسوف أن الأجسام [ 3 ب ] الصلبة ، يعنى كالذهب وسائر الأجسام التي تقاوم النار وغيره من الأركان ، لا تبلغ من غزارتها ونفاذها ما يبلغ اللطيف ، أعنى الأعضاء وما شاكلها . ويقول إن اللطيف ضعيف يحتاج إلى التدبير اللطيف ، لأنه لا يثبت ثبات الأجساد الصلبة ، إلّا أن اللطيفة غزيرة سريعة النفاذ . قال أفلاطون : وتحتاج أن تعلم لم ذلك كذلك ، وليس إلّا أن اللطيف طالب لموضعه . قال أحمد : أحسن الفيلسوف في قوله هذا ، فإنه يقول : تحتاج أن تعلم لم اللطيف أضعف وأغزر ، والكثيف أجسى وأقوى ؛ ثم تحكم أنه لطلب الموضع . وإنما يريد أن ما دبّر من هذا العمل فإن المراد فيه أن يرد كما كان بدءا . فاللطيف أقرب إلى جنس البدء . فإذا كان كذلك فإن طالب المحل البدء الذي هو العلو . فالتدبير يجب أن يكون أوفق ، والعامل يحتاج أن يكون أرفق ليضبط العمل لئلّا يصل إلى الموضع الذي يطلبه فيفوت . فأما الجاسى فكثيف طالب للسفل والعامل مستغن عن ضبطه . ف « القوة » في كلام الفيلسوف في هذا الموضع : « الثبات » و « الضعف » « الفراق » . قال أفلاطون : وبعد أنواع من التدبير يكون الجاسى القوى كالغزير الضعيف . قال أحمد : صدق الفيلسوف في قوله هذا ، لأنه لا يتهيّأ أن ينفذ تدبيره في الشئ إلّا بعد حلّه وتليينه . فالعضو مخصوص باللين وذلك معدوم في الجسد إلّا بعد المعالجة . وأرى قوله هذا يوجب أن مستعمل العضو قد كفى بعض العمل ، لأنه إذا كان تدبير الجسد أول درجته كونه كالعضو ، إلّا أن أرسطاطاليس يذكر أن تدبير الجسد من أول العمل إلى آخره أهون وهو أصبر من غيره . فيرى أرسطاطاليس أن الشئ لا يخلو أمره من الشوائب كما قدمنا ، فإذا كان كذلك فيكون ابدا معه ، اعني الجسد ، من القوة الغريزية والتركيب